الشيخ محمد رشيد رضا

193

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( أقول ) ان العلامة الشاطبي قد جرر بحث البدع وأطال في التنفير عنها والحث على التزام السنة في كتابه ( الاعتصام ) بما لم يسبق إلى مثله - بحسب علمه وعلمنا - سابق ، ولم يلحقه فيه - على ما وصل اليه علمنا - لاحق ، ومن ذلك أنه فرق بين البدع وبين المصالح المرسلة تفرقة واضحة بينة ، وأثبت ان مالكا كان يقول بها على تشدده في نصر السنة ، ومبالغته في مقاومة البدع ، حتى قال أحمد بن حنبل فيه : إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم أنه مبتدع . وقال عبد الرحمن بن مهدي : إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة . المشهور ان القول بالمصالح المرسلة مذهب مالك وان الجمهور على خلافه ، وليس هذا القول صحيحا على اطلاقه ، فان بعض علماء الأصول جعل القول بها من مسالك العلة للقياس ، فأدخلوها فيما يسمونه المناسبة أو المعنى المناسب . وعدها بعضهم من أنواع الاستدلال لا من أصول الاحكام ، فالأكثرون يقولون بها ، ولكن يختلفون في اسمها . قال ابن دقيق العيد : الذي لا شك فيه ان لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ، ويليه أحمد بن حنبل . ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة ، ولكن لهذين ترجيحا في الاستعمال لها على غيرهما ، وقال القرافي : هي عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ، ولا نعني بالمصلحة المرسلة الا ذلك . وقال إمام الحرمين : ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى تعلق الاحكام بالمصالح المرسلة بشرط الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول وقد قسم علماء الأصول المناسب إلى ما علم اعتبار الشرع له ، وما علم إلغاؤه له ، وما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه له ، وهو الذي لا يشهد له أصل معين بالاعتبار بل يؤخذ من مقاصد الشرع العامة فيعد من وسائلها - وهذا القسم هو الذي يسمونه بالمصالح المرسلة . ذكر ذلك كله الشوكاني في ارشاد الفحول ، وقال : وقد اشتهر انفراد المالكية بالقول به - قال الزركشي : وليس كذلك فان العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة . ولا معنى للمصلحة المرسلة الا ذلك . اه « تفسير القرآن الحكيم « 25 » « الجزء السابع »